القاضي عبد الجبار الهمذاني

411

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عظيم ما نزل بهم من الآلام في حال الصبى يتذكرون تلك الأحوال التي استمرّت بهم وهم عقلاء كاملون وأقدموا على المعاصي العظيمة ؛ لأن مثل هذه الأحوال لا يجوز أن ينساه العاقل وإن طال به الزمان . لأنا إن جوّزنا أن ينسوا ما ذكرناه ، فيجب أن يجوز في أحدنا أن يتقدّم في الفقه حتى يجوز جميع المذاهب ويعرف الخلاف والوفاق ويأتي على الفروع ( ويدرس ) « 1 » مدّة من الزمان ثم ينسى ذلك أجمع . وذلك يؤدّى إلى أن نجوز على أنفسنا هذه الأمور ولا نقطع بخلافها . وهذا يؤدّى إلى الجهالات . فيجب بمثله بطلان ما قاله أهل التناسخ ؛ لأن الأحوال التي كان فيها أحدنا عندهم مكلفا قبل حال الطفولة أشد امتداد وأطول وقتا مما ذكرناه . فإن قالوا : إنا نذكر ذلك ، لأن كل واحد منا يعلم من نفسه خلاف ما ادّعوه ، ولا فرق بين هذه الدعوى وبين من يدّعى علينا أنا نذكر / من أنفسنا أنا ملكنا الدنيا مدّة من الزمان وحاربنا الملوك حالا بعد حال ، إلى غير ذلك ، وهذا من أعظم التجاهل « 2 » . فإن قالوا : إنا لا نذكر ذلك لتراخى العهد وطوله . قيل لهم : إنه لا فرق في هذه الأمور العظيمة بين أن تتراخى وتتباعد أو تتقارب في أنه لا يجوز في العقلاء أن لا يذكروها البتة مع شدّة اجتهادهم في تذكرها والتحدّث بذكرها . لهذا نقول إن أهل الآخرة وإن تراخى عهدهم بالدنيا فهم مع كمال عقولهم لا بدّ من أن يتذكروا أحوالهم في دار الدنيا ، وإن سهوا عن اليسير منها فلا يصح فيهم السهو عن معظمها . ولذلك لا تفترق الحال فيما نتذكره بين ما وقع في زمن بعيد وبين ما وقع في زمن قريب .

--> ( 1 ) غير واضحة في الأصل . ( 2 ) في الكلام نقص بدليل أنه لم يذكر جواب الاعتراض .